ابن الجوزي

88

زاد المسير في علم التفسير

على أول السورة ، فالمعنى : كذلك نوحي إليك وإلى الذين من قبلك . ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) قال ابن عباس : هو القرآن وقال مقاتل : وحيا بأمرنا . قوله تعالى : ( ما كنت تدري ما الكتاب ) وذلك أنه لم يكن يعرف القرآن قبل الوحي ( ولا الإيمان ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه بمعنى الدعوة إلى الإيمان ، قاله أبو العالية . والثاني : أن المراد به : شرائع الإيمان ومعالمه ، وهي كلها إيمان ، وقد سمى الصلاة إيمانا بقوله : ( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) هذا اختيار ابن قتيبة ، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة . والثالث : أنه ما كان يعرف الإيمان حين كان في المهد وإذ كان طفلا قبل البلوغ ، حكاه الواحدي . والقول ما اختاره ابن قتيبة ، وابن خزيمة ، وقد اشتهر في الحديث عنه عليه السلام أنه كان قبل النبوة يوحد الله ، ويبغض اللات والعزى ، ويحج ويعتمر ، ويتبع شريعة إبراهيم عليه السلام ، قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله : من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على دين قومه ، فهو قول سوء أليس كان لا يأكل ما ذبح على النصب ؟ وقال ابن قتيبة : قد جاء في الحديث أنه كان على دين قومه أربعين سنة . ومعناه : أن العرب لم يزالوا على بقايا من دين إسماعيل ، من ذلك حج البيت ، والختان ، وإيقاع الطلاق إذا كان ثلاثا ، وأن للزوج الرجعة في الواحدة والاثنتين ، ودية النفس مائة من الإبل ، والغسل من الجنابة ، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر ، وكان عليه الصلاة والسلام على ما كانوا عليه من الإيمان بالله والعمل بشرائعهم في الختان والغسل والحج ، وكان لا يقرب الأوثان ، ويعيبها . وكان لا يعرف شرائع الله التي شرعها لعباده على لسانه ، فذلك قوله : " ما كنت تدري ما الكتاب " يعني القرآن " ولا الإيمان " يعني شرائع الإيمان ، ولم يرد الإيمان الذي هو الإقرار بالله ، لأن آباءه الذين ماتوا على الشرك كانوا يؤمنون بالله ويحجون له البيت مع شركهم . قوله تعالى : ( ولكن جعلناه ) في هاء الكناية قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى القرآن . والثاني : إلى الإيمان . ( نورا ) أي : ضياء ودليلا على التوحيد ( نهدي به من نشاء ) من عبادنا إلى دين الحق ( وإنك لتهدي ) أي : لتدعو ( إلى صراط مستقيم ) وهو الإسلام .